في أول بحث ميداني لي أراد الله أن يكون في كارثة طبيعية ، الامطار التي زارت سوهاج زيارة سريعة لم تطول أكثر من نصف ساعة متفرقة الازمان ومتفاوتة القوة . تفاوت الضرر بين الحضر والريف بالطبع وتفاوت الضرر بين الريف وبعضه علي حسب قرب البعض منه للهضاب شرق وغرب المحافظة ..
انتهي درس الجغرافيا عن سوهاج ... لم أحب يوما تلك المادة السقيمة . المهم ،
كنت أتحدث مع أحد أصدقائي وزميلي وأبلغه بأني أحب بشدة العمل الميداني والقرب من الناس والتلاحم مع فئات اجتماعية أنتمي لها في الأصل ولكن بعيد عنها في الواقع وهي فئة الفلاح .. وغير ذلك أني سعيد بشكل جدي بأني في عمل ميداني بشكل عام . وقد رد علي قائلا " بأن مصائب قوم عند قوم فوائد " !!!
لا يظن أحدا بي ظن سيء فقد أخبرتكم بأني أعيب علي نفسي بسبب السخرية .. ولكن صدقا أنتم لم تروا سخرية ولا استهزاء حتى الآن .. لنتحدث عن الاشياء الحقيقية بمنتهي الجدية الساخرة الآن ، لننتقل إلي التهريج في الحال دون مزاح ..
بعد المرور علي أكثر من منزل متضرر من الامطار وتجمع المياه وارتداء "الكزلك" لأول مرة .. أحد أهل القرية الذي تطوع مشكورا مساعدتنا في ارشادنا بين بيوت القرية قال لي "تعالي أوريك أول البيوت ال قابلت السيل يا استاذ محمد " كانت المرة الخمسين بعد المئة الرابعة التي يخطئ فيها باسمي ولم يتجاوز الخطأ اسمين هما محمد ومحمود ولم ينطق بثالثهما " أحمد" .. أظن انه كان يعلم أني لا أبالي لأني أيضا كنت أناديه باسم مختلف في كل مرة .
ذهبت أنا والاستاذ (سيد) المتطوع المشكور إلي أول المنازل التي واجهت السيل وعلي بوابة احداها وجدت رجل في منتصف الاربعينات قصير نحيف لكن تظهر عليه الشدة وتجاعيد الهم المضحك الذي يحياه ، يجلس القرفصاء أمام المنزل متمتعا بحجر القص الذي رصه بحرفة رجل قرية صاحب مزاج في شرب الدخان وقت العصر بعد أن تلطفت الشمس وتلطف الجو بفعل الطمي الذي يحوطه أينما ظهر .
فظهرت له أنا والاستاذ (ممدوح) المتطوع المشكور ، نظر لنا وسأله " مين دا يا أبو عمو ؟ " رد عليه : " دا صحافة من مركز بحوث !!.. جاي يصور البيت جوه دخله يصور " فقال له : " اهلا وسهلا .. تعالي تعالي صور صور جات عليك ، تعالي صور "
أدخلني المنزل المياه إلي حد ما جفت ولكن بقيت هناك برك في الغرف من الداخل وكأنها تحذر أي أحد من الاقتراب لها أو إيقاظها من سباتها .. ستسيقظ وحدها دون أن يزعجها أحدا . صورت الغرفة الأولي والثانية ... وعند خروجي من الثانية فوجئت بالرجل يدعوني فرحا للدخول إلي الغرفة الثالثة ، لا أخفي عليكم سرا ترددت وليس هناك داع للتفسير .. ولكن فوجئت به يكمل حديثه بصوت جهور تظهر عليه فرحة حقيقية وهو يقول " صور صور .. صور تعالي وانشر فرح المسئولين ، صور الخراب صور .. شفت الخراب !!!! " ما أجبرني علي الابتسام بسبب طريقته الطيرفة في الحديث والتنقل بجسده النحيف . فوجئت بصوت أنثوي يعلو من الدور الثاني يقول " خليه يصور التلفزيون والراديو ال خربوا جوه ، والتلاجة ، والفرن ال اتهد ، والخراب كله " رد عليه بصوت أجش ظهر فجأة وجدية صارمة : " اسكتي يابت هو بيصور " قالها دون اهتمام وهنا شعرت بمدي الاهانة التي يشعر بها ذالك الرجل !!
عندما انتهيت من التصوير سألته عن عدد الافراد الذين يعيشون في هذا المنزل ، أخبرني بأن يعيش في ذلك المنزل 23 فرد هو مرأته وأولاده وأخيه وامرأته وأولاده واخته وابنها ووالده ووالدته . ثم خرجت وأنا ألقي عليه السلام وأعيد ذاك الشريط المكرر بدعوات لها عمق ولكننا نتداولها حتى ابتذلناها .
ذهبت أكمل بعض المنازل التي جاورته ، وأثناء عودتي وجدته ما زال يجلس في نفس مكانه وقد انضم له 3 رجال أصغر منه ولكنه أنحفهم وأقلهم في بسطة الجسد .. استوقفني بعد أن ألقيت عليهم السلام يسألني " انت تبع ايه يا باشا قولتلي ؟ " أجبته : " احنا يا حج مركز بحوث اجتماعية بنحاول نشوف الضرر ال ف القرية بسبب المطر " رد علي : " صحافة يعني " .. شعرت بمدي صعوبة فهم طبيعة عملي الذي سعيت له ولا أعتقد اني سأستغني عنه بسهولة لمتعتي به ولكن أجبته " يعني .. احنا والصحافة ولاد عم " كررها لي " صحافة يعني " قلت بين نفسي ونفسي " ما علينا " ، ثم سألني السؤال المنشود بعد ما صورت وخدت أسامينا هتعملوا بيها ايه ؟ " أجبته : " هنحاول ندور علي المقصريين وكمان نوصل صوتكم للمسئولين " قال لي : " بص يا استاذ حكومتنا فاشلة ، مش الحكومة دلوقتي بس ، طول عمرها فاشلة .. من يمكن أيام سعد زغلول ، بيعملوا ايه للغلابة ؟! " ... لم أجد كلام للرد عليه .. وبعد تبادل قصير جدا لكلمات الشغل والدعاء المسترسل العميق المبتذل .. تركته راحلا .
من هذا الموقف استنتجت أمرين في غاية الاهمية :
_ كل من ال معاه كاميرا ( حتى لو كاميرا موبايل) وغريب عن البلد ونازل يصور هو ف نظرهم صحفي ، مهما قلتله وشرحتله برضو صحفي وهيسألوك بتيجي علي قناة ايه حتى لو كنت شغال ف جرنال ورقي ، المفروض برضو تظهر علي التلفزيون .. اهو كدا
_ تاني حاجة ان فعلا الحكومة مبتعملش حاجة للغلابة من يمكن أيام سعد زغلول .. إلا بعض السنوات التى لا تؤخذ في الاعتبار في تاريخ وطن !!
انتهي ..
انتهي درس الجغرافيا عن سوهاج ... لم أحب يوما تلك المادة السقيمة . المهم ،
كنت أتحدث مع أحد أصدقائي وزميلي وأبلغه بأني أحب بشدة العمل الميداني والقرب من الناس والتلاحم مع فئات اجتماعية أنتمي لها في الأصل ولكن بعيد عنها في الواقع وهي فئة الفلاح .. وغير ذلك أني سعيد بشكل جدي بأني في عمل ميداني بشكل عام . وقد رد علي قائلا " بأن مصائب قوم عند قوم فوائد " !!!
لا يظن أحدا بي ظن سيء فقد أخبرتكم بأني أعيب علي نفسي بسبب السخرية .. ولكن صدقا أنتم لم تروا سخرية ولا استهزاء حتى الآن .. لنتحدث عن الاشياء الحقيقية بمنتهي الجدية الساخرة الآن ، لننتقل إلي التهريج في الحال دون مزاح ..
بعد المرور علي أكثر من منزل متضرر من الامطار وتجمع المياه وارتداء "الكزلك" لأول مرة .. أحد أهل القرية الذي تطوع مشكورا مساعدتنا في ارشادنا بين بيوت القرية قال لي "تعالي أوريك أول البيوت ال قابلت السيل يا استاذ محمد " كانت المرة الخمسين بعد المئة الرابعة التي يخطئ فيها باسمي ولم يتجاوز الخطأ اسمين هما محمد ومحمود ولم ينطق بثالثهما " أحمد" .. أظن انه كان يعلم أني لا أبالي لأني أيضا كنت أناديه باسم مختلف في كل مرة .
ذهبت أنا والاستاذ (سيد) المتطوع المشكور إلي أول المنازل التي واجهت السيل وعلي بوابة احداها وجدت رجل في منتصف الاربعينات قصير نحيف لكن تظهر عليه الشدة وتجاعيد الهم المضحك الذي يحياه ، يجلس القرفصاء أمام المنزل متمتعا بحجر القص الذي رصه بحرفة رجل قرية صاحب مزاج في شرب الدخان وقت العصر بعد أن تلطفت الشمس وتلطف الجو بفعل الطمي الذي يحوطه أينما ظهر .
فظهرت له أنا والاستاذ (ممدوح) المتطوع المشكور ، نظر لنا وسأله " مين دا يا أبو عمو ؟ " رد عليه : " دا صحافة من مركز بحوث !!.. جاي يصور البيت جوه دخله يصور " فقال له : " اهلا وسهلا .. تعالي تعالي صور صور جات عليك ، تعالي صور "
أدخلني المنزل المياه إلي حد ما جفت ولكن بقيت هناك برك في الغرف من الداخل وكأنها تحذر أي أحد من الاقتراب لها أو إيقاظها من سباتها .. ستسيقظ وحدها دون أن يزعجها أحدا . صورت الغرفة الأولي والثانية ... وعند خروجي من الثانية فوجئت بالرجل يدعوني فرحا للدخول إلي الغرفة الثالثة ، لا أخفي عليكم سرا ترددت وليس هناك داع للتفسير .. ولكن فوجئت به يكمل حديثه بصوت جهور تظهر عليه فرحة حقيقية وهو يقول " صور صور .. صور تعالي وانشر فرح المسئولين ، صور الخراب صور .. شفت الخراب !!!! " ما أجبرني علي الابتسام بسبب طريقته الطيرفة في الحديث والتنقل بجسده النحيف . فوجئت بصوت أنثوي يعلو من الدور الثاني يقول " خليه يصور التلفزيون والراديو ال خربوا جوه ، والتلاجة ، والفرن ال اتهد ، والخراب كله " رد عليه بصوت أجش ظهر فجأة وجدية صارمة : " اسكتي يابت هو بيصور " قالها دون اهتمام وهنا شعرت بمدي الاهانة التي يشعر بها ذالك الرجل !!
عندما انتهيت من التصوير سألته عن عدد الافراد الذين يعيشون في هذا المنزل ، أخبرني بأن يعيش في ذلك المنزل 23 فرد هو مرأته وأولاده وأخيه وامرأته وأولاده واخته وابنها ووالده ووالدته . ثم خرجت وأنا ألقي عليه السلام وأعيد ذاك الشريط المكرر بدعوات لها عمق ولكننا نتداولها حتى ابتذلناها .
ذهبت أكمل بعض المنازل التي جاورته ، وأثناء عودتي وجدته ما زال يجلس في نفس مكانه وقد انضم له 3 رجال أصغر منه ولكنه أنحفهم وأقلهم في بسطة الجسد .. استوقفني بعد أن ألقيت عليهم السلام يسألني " انت تبع ايه يا باشا قولتلي ؟ " أجبته : " احنا يا حج مركز بحوث اجتماعية بنحاول نشوف الضرر ال ف القرية بسبب المطر " رد علي : " صحافة يعني " .. شعرت بمدي صعوبة فهم طبيعة عملي الذي سعيت له ولا أعتقد اني سأستغني عنه بسهولة لمتعتي به ولكن أجبته " يعني .. احنا والصحافة ولاد عم " كررها لي " صحافة يعني " قلت بين نفسي ونفسي " ما علينا " ، ثم سألني السؤال المنشود بعد ما صورت وخدت أسامينا هتعملوا بيها ايه ؟ " أجبته : " هنحاول ندور علي المقصريين وكمان نوصل صوتكم للمسئولين " قال لي : " بص يا استاذ حكومتنا فاشلة ، مش الحكومة دلوقتي بس ، طول عمرها فاشلة .. من يمكن أيام سعد زغلول ، بيعملوا ايه للغلابة ؟! " ... لم أجد كلام للرد عليه .. وبعد تبادل قصير جدا لكلمات الشغل والدعاء المسترسل العميق المبتذل .. تركته راحلا .
من هذا الموقف استنتجت أمرين في غاية الاهمية :
_ كل من ال معاه كاميرا ( حتى لو كاميرا موبايل) وغريب عن البلد ونازل يصور هو ف نظرهم صحفي ، مهما قلتله وشرحتله برضو صحفي وهيسألوك بتيجي علي قناة ايه حتى لو كنت شغال ف جرنال ورقي ، المفروض برضو تظهر علي التلفزيون .. اهو كدا
_ تاني حاجة ان فعلا الحكومة مبتعملش حاجة للغلابة من يمكن أيام سعد زغلول .. إلا بعض السنوات التى لا تؤخذ في الاعتبار في تاريخ وطن !!
انتهي ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق