الجمعة، 14 مارس 2014

رجل السبعينات وشاب العشرينات

" شهدت دورة ( توعية سياسية) قام بها أحد النشاطء الليبراليين المستقلين في احدي عشوائيات الاسكندرية ، وشرحوا فيها لسكانها مبادئ النظم السياسية المختلفة ، والفرق بين الدولة المدنية والدينية ، وخطورة الدولة الدينية علي مستقبل الناس ومستقبل أبنائهم وسمحلوا لي مشكورين بالتعقيب علي كثير مما حمله كلامهم من أخطاء ومغالطات من وجهة نظري ، و ثم حمل النشطاء حقائبهم ورحلوا . وهممت أنا أيضا بالانصراف ، فما كان من أحد الحضور سوي أ، تقدم إلي بروشته طبية ، مناشدا إياي أن أساعده في صرف الدواء الموصوف لوالدته المريضة ، لأن ثمنه يربو علي السبعين جنيها ، مع كونه يعول خمسة من الابناء وأمهم ، وأم أمهم ، بالاضافة إلي والدته . 
وما أبديت اهتماما بالامر ، ورغبة في مساعدة الرجل حتى التف حولي جمع من الاهالي ، وكأنيمحافظ الاسكندرية نفسه ، كل يبث همه ويحمل شكواه ، حتى بلغ الامر ببعضهم أن طلب مني المساعدة في القضاء علي باعة المخدرات الذين في منطقته كسرطان غادر ، وصاروا يزاولون تجارتهم الآثمة علي الملأ ، وفي وضح النهار . 
كان المشهد سرياليا بالنسبة إلي : ها نحن نروج خلافاتنا ومخاوفنا بين من يفترض أن ثورتنا قد قامت من أجلهم ، ولهم ونحن في واد وهم في واد آخر مختلف تمام الاختلاف . " 

هذا جزء من مقال للدكتور/ محمد يسري سلامة رحمه الله بعنوان " عودة الروح " في 7 أغسطس 2011 بجريدة الوفد . لمن لا يعلم منكم من هم د.محمد يسري سلامة فهو طبيب أسنان وانضم للعمل بمركز المخطوطات بمكتبة الاسكندرية وأسس نقابة مستقلة للدفاع عن حقوق العاملين بالمكتبة . وله كتب كثيرة في عن السيرة وغيره من الموضوعات . ومن مؤسسين حزب الدستور ومتحدثه الرسمي أيضا لفترة من الفترات قبل أن يقدم استقالته ليلتحق بحزب الدستور ويشارك في تأسيسه . إلي أن توفاه الله في 24 مارس في العام الاسود 2013 . محمد يسري سلامة من أكثر المنصفين الذين تحدثوا عن السلفية وبلسانها سياسيا وعقائديا .. وله كثير من الأفكار المحترمة جدا في تنمية البلاد وللتعايش في مجتمع مختلف الآراء .

ما علاقة هذا الامر بيوميات الارياف ؟  له علاقة وثيقة بالتأكيد .. 

ونحن في احدي القري المنكوبة بسبب الامطار نحاول توثيق ما حدث ونحصر عدد المنازل المتضررة .. إلخ ، قالبنا رجل في أواخر السبعينات تقريبا وأهله . وبمجرد أن رآنا وأخبره أحد المتجمعين حولنا أننا "صحافة" أتي لنا يجرنا إلي حيث منزله لنصوره وشاب عشريني وقف بجانبنا ونحن نصور بيت الرجل الكبير ونسجل اسمه سأل : "انتو هتنشروا الكلام دا ؟" ، احترت في الاجابة عليه فموضوع النشر هذا يمر بأكثر من مرحلة ولن يكون راضيا بالتأكيد عن تلك المراحل بالتأكيد . فقلت له : " احنا بنحاول نسجل الضرر ال حصل وبنحاول نشوف مين المقصروف نفس الوقت بنحاول نوصل صوتكم !! " ، نظر لي باستهتار كبير .. نظرة دونية واستحقار "وبعدين؟ هتحسابوهم يعني ؟ يلعن أبو المجلس علي المحافظة علي السيسي ذات نفسه ، هتقدروا توصلوا دا ؟ انا اسمي ( فلان الفلاني ) ومخايفش قولوا اني أنا قلت كدا.. لينا 3 أيام من غير كهرباء . ولما الكهرباء بتيجي بتتقطع اليوم كله وندفع 50ج و60 و70 جنيه علي كهرباء مبتجيش " 
في وسط حماس ذلك الشاب تدخل الرجل الكبير ذو السبعين عاما يقول " عندنا أولاد في المدارس هيذاكروا ازاي وهيتعلموا ازاي في الضلمة ؟ وكاتبين ان في نظافة وبندفع فلوسها ولا عمرنا شفنا عمال الزبالة هنا .. والكهربا مصاريفيها عالية ولا بنشوفها ، من يوم ما نزلت المطرة لغاية دلوقتي الكهربا مجاتش 3 أيام من المغرب بندخل البيت عشان الضلمة " 
التف جميع من كانوا يتفرجون فرحين علي "الصحافة" الذين أتوا ليصوروا مآسيهم ، وقد وكلوا الحديث للرجل ذو السبعين عاما والشاب الذي بادر بالحديث يلعن علي كل المناصب التي يعرفها والاسماء التي تتحدث بلسانهم يتحدث بعنترية كبيرة قد تكون حقيقية بين أهل القرية وصادقة تماما في نواياها . 

عندما حدث هذ ا الأمر تذكرت ذلك المقال الذي كتبه د.محمد يسري سلامة منذ ثلاث سنوات ولا يزال الامر يتكرر بنفس الاخطاء ونفس الاتجاه ونفس الاسلوب وننتظر أن يتغير الوضع أو تتغير النتيجة .. 
القرية هي ثالث مراحل بناء المجتمع الحضاري القويم بعد الاسرة ثم العائلة . وهي أساس التنمية الزراعية والصناعية في بعض الاوطان والبلاد .. القرية هي أصغر المجتمعات الحضارية التي لا يجوع فيها شخصا ولا تعطش بها نفسا ولا يتغرب فيها كائن من كان . 

أيها المدعون المهرطقون الداعرون الفاسقون الفاسدون المنافقون أفيقوا واسمعوا وعوا عسي أن يسامحكم الله علي ما تفعلوه من ادعاء ..

الأربعاء، 12 مارس 2014

صور .. صور .. صور فرح المسئولين !!

في أول بحث ميداني لي أراد الله أن يكون في كارثة طبيعية ، الامطار التي زارت سوهاج زيارة سريعة لم تطول أكثر من نصف ساعة متفرقة الازمان ومتفاوتة القوة . تفاوت الضرر بين الحضر والريف بالطبع وتفاوت الضرر بين الريف وبعضه علي حسب قرب البعض منه للهضاب شرق وغرب المحافظة ..

انتهي درس الجغرافيا عن سوهاج ... لم أحب يوما تلك المادة السقيمة . المهم ،

كنت أتحدث مع أحد أصدقائي وزميلي وأبلغه بأني أحب بشدة العمل الميداني والقرب من الناس والتلاحم مع فئات اجتماعية أنتمي لها في الأصل ولكن بعيد عنها في الواقع وهي فئة الفلاح .. وغير ذلك أني سعيد بشكل جدي بأني في عمل ميداني بشكل عام . وقد رد علي قائلا " بأن مصائب قوم عند قوم فوائد " !!!

لا يظن أحدا بي ظن سيء فقد أخبرتكم بأني أعيب علي نفسي بسبب السخرية .. ولكن صدقا أنتم لم تروا سخرية ولا استهزاء حتى الآن .. لنتحدث عن الاشياء الحقيقية بمنتهي الجدية الساخرة الآن ، لننتقل إلي التهريج في الحال دون مزاح ..

بعد المرور علي أكثر من منزل متضرر من الامطار وتجمع المياه وارتداء "الكزلك" لأول مرة ..  أحد أهل القرية الذي تطوع مشكورا مساعدتنا في ارشادنا بين بيوت القرية قال لي  "تعالي أوريك أول البيوت ال قابلت السيل يا استاذ محمد " كانت المرة الخمسين بعد المئة الرابعة التي يخطئ فيها باسمي ولم يتجاوز الخطأ اسمين هما محمد ومحمود ولم ينطق بثالثهما " أحمد" .. أظن انه كان يعلم أني لا أبالي لأني أيضا كنت أناديه باسم مختلف في كل مرة .

ذهبت أنا والاستاذ (سيد) المتطوع المشكور إلي أول المنازل التي واجهت السيل وعلي بوابة احداها وجدت رجل في منتصف الاربعينات قصير نحيف لكن تظهر عليه الشدة وتجاعيد الهم المضحك الذي يحياه ، يجلس القرفصاء أمام المنزل متمتعا بحجر القص الذي رصه بحرفة رجل قرية صاحب مزاج في شرب الدخان وقت العصر بعد أن تلطفت الشمس وتلطف الجو بفعل الطمي الذي يحوطه أينما ظهر .
فظهرت له أنا والاستاذ (ممدوح) المتطوع المشكور ، نظر لنا وسأله " مين دا يا أبو عمو ؟ " رد عليه : " دا صحافة من مركز بحوث !!.. جاي يصور البيت جوه دخله يصور " فقال له : " اهلا وسهلا .. تعالي تعالي صور صور جات عليك ، تعالي صور "

أدخلني المنزل المياه إلي حد ما جفت ولكن بقيت هناك برك في الغرف من الداخل وكأنها تحذر أي أحد من الاقتراب لها أو إيقاظها من سباتها .. ستسيقظ وحدها دون أن يزعجها أحدا . صورت الغرفة الأولي والثانية ... وعند خروجي من الثانية فوجئت بالرجل يدعوني فرحا للدخول إلي الغرفة الثالثة ، لا أخفي عليكم سرا ترددت وليس هناك داع للتفسير .. ولكن فوجئت به يكمل حديثه  بصوت جهور تظهر عليه فرحة حقيقية وهو يقول " صور صور .. صور تعالي وانشر فرح المسئولين ، صور الخراب صور .. شفت الخراب !!!! " ما أجبرني علي الابتسام بسبب طريقته الطيرفة في الحديث والتنقل بجسده النحيف . فوجئت بصوت أنثوي يعلو من الدور الثاني يقول " خليه يصور التلفزيون والراديو ال خربوا جوه ، والتلاجة ، والفرن ال اتهد ، والخراب كله " رد عليه بصوت أجش ظهر فجأة وجدية صارمة : " اسكتي يابت هو بيصور " قالها دون اهتمام وهنا شعرت بمدي الاهانة التي يشعر بها ذالك الرجل !!

عندما انتهيت من التصوير سألته عن عدد الافراد الذين يعيشون في هذا المنزل ، أخبرني بأن يعيش في ذلك المنزل 23 فرد هو مرأته وأولاده وأخيه وامرأته وأولاده واخته وابنها ووالده ووالدته . ثم خرجت وأنا ألقي عليه السلام وأعيد ذاك الشريط المكرر بدعوات لها عمق ولكننا نتداولها حتى ابتذلناها .

ذهبت أكمل بعض المنازل التي جاورته ، وأثناء عودتي وجدته ما زال يجلس في نفس مكانه وقد انضم له 3 رجال أصغر منه ولكنه أنحفهم وأقلهم في بسطة الجسد .. استوقفني بعد أن ألقيت عليهم السلام يسألني " انت تبع ايه يا باشا قولتلي ؟ " أجبته : " احنا يا حج مركز بحوث اجتماعية بنحاول نشوف الضرر ال ف القرية بسبب المطر " رد علي : " صحافة يعني " .. شعرت بمدي صعوبة فهم طبيعة عملي الذي سعيت له ولا أعتقد اني سأستغني عنه بسهولة لمتعتي به ولكن أجبته " يعني .. احنا والصحافة ولاد عم " كررها لي " صحافة يعني " قلت بين نفسي ونفسي " ما علينا " ، ثم سألني السؤال المنشود  بعد ما صورت وخدت أسامينا هتعملوا بيها ايه ؟ " أجبته : " هنحاول ندور علي المقصريين وكمان نوصل صوتكم للمسئولين " قال لي : " بص يا استاذ حكومتنا فاشلة ، مش الحكومة دلوقتي بس ، طول عمرها فاشلة .. من يمكن أيام سعد زغلول ، بيعملوا ايه للغلابة ؟! " ... لم أجد كلام للرد عليه .. وبعد تبادل قصير جدا لكلمات الشغل والدعاء المسترسل العميق المبتذل .. تركته راحلا .

من هذا الموقف استنتجت أمرين في غاية الاهمية :

_ كل من ال معاه كاميرا ( حتى لو كاميرا موبايل) وغريب عن البلد ونازل يصور هو ف نظرهم صحفي ، مهما قلتله وشرحتله برضو صحفي وهيسألوك بتيجي علي قناة ايه حتى لو كنت شغال ف جرنال ورقي ، المفروض برضو تظهر علي التلفزيون .. اهو كدا

_ تاني حاجة ان فعلا الحكومة مبتعملش حاجة للغلابة من يمكن أيام سعد زغلول .. إلا بعض السنوات التى لا تؤخذ في الاعتبار في تاريخ وطن !!

انتهي ..

البيان التأسيسي للمدونة :)

يوميات باحث في الارياف بعض المواقف الطريفة التي أقابلها في بعض الخراب أو الازمات أو الفساد .. شيء من الكوميديا السوداء أو السخرية المصائبية
باحث في أرياف محافظة من محافظات الصعيد الهدور المهمش "الغير مغيب" أيوة غير مغيب ، أعيب علي نفسي في ما أكتبه علي مآسي هؤلاء الكادحين من سخرية قد ينطقون بها هم أنفسهم ولكنها بعض الكلمات التي قد تجمل الحقيقة دون استرسال في حديث بلا معني .
مجرد محاولة من ضمن محاولات كثيرة لنقل صورة من صور الفساد والتهميش لصعيد مصر الزاخر بالموارد والاحلام الضائعة ..
تسألون فيما أبحث : سأقول أبحث في الامور الاقتصادية والاجتماعية ( عشان لو حد عنده قضايا وكدا يبلغني :D )

وهذا أول بيان مني بذلك وانتظروا من الجديد والتفصيل بإذن الله :)